vendredi 12 décembre 2014

في غيابات الجب برج الرومي

"الداموس"

يوم لا ينسى:01/10/1965 ."

قبل عدة أشهر لاحظنا عند الخروج < للاريه > أشياء غير عادية وحركة غير متعودة وغير مفهومة. وإستطعنا أن نختطف من حديث الحراس - مع بعضهم - أن سجن غار الملح سيغلق وأن السجن سينقل الى بنزرت وبالتحديد الى < برج الرومي > .
هذه المعلومة التي ذكرت، إستغرق تجميعها قرابة الشهر بالنسبة الينا. وأفرغ السجن من المساجين شيئا فشيئا، ولم نبق الا نحن . وظننا أنه سيخصص لنا وما تجمع خلال هذه السنوات من مساجين سياسيين لا نعرفهم. إلا أن تقليع الأبواب الرئيسية للمدخل أضعف هذا الإحتمال لدينا.
وكان يوم أول أكتوبر ( لا داعي للإستغراب فقد كان الشيخ الكفلي الشواشي هو الذي يمسك بحساب الأيام بالضبط حتى أن السنة الكبيسة عرفناها ونستطيع أن نتأكد من الحساب - وقتها - ) كان بالنسبة الينا يوما مهولا. ففي عشيته فتحت الأبواب ودخل حراس كثر فيهم من نعرف وفيهم من لانعرف وبدئ بتقييدنا بواسطة < الكلبشة> . أيدينا الى الخلف ووقع إدخال الحلقة الثانية من السلسلة التي في أقدامنا بينهما. بحيث كنا مقيدين من ثلاث والحركة أو المشي بالنسبة لهذا الوضع تكاد يكون مستحيلة بدون السقوط على الأرض
ودحرجنا كالأكياس الى < السنترة > أين يقف مدير السجون وعدد آخر ربما من إدارة الأمن بالملابس المدنية وعشرات الحراس بأسلحة وبدون أسلحة.
كان مدير السجون يتفحص كل واحد منا بشماتة وتلذذ غير طبيعيين. ثم أشار ... وإذا بالحراس كالكلاب المسعورة تنهال علينا ركلا ورفسا وضربا وشتما ..ونحن مرميين بلا حراك على الأرض وليس بإستطاعتنا حتى الحركة لإتقاء الضرب ... وربما أشار ثانية فقد كف الضرب فجأة وصمت الحراس. ووقعت دحرجتنا ثانية الى الباب الرئيسي ، وحمل كل واحد منا حارسين وليلقوا بنا كالأكياس في سيارة المساجين فوق بعضنا حتى إذا إمتلأت واحدة جاؤوا بالأخرى.
وتحاملنا قدر المستطاع لنجلس وسارت الشاحنة. ووصلنا والدنيا ظلام، ظلام الليل وظلامنا نحن الذين لانعرف ماهو المصير الذي ينتظرنا.وفتح الباب الخلفي للشاحنة بالقرب من هوة. كانت الأرض تعج بالحراس واحد يهرول واحد يصيح الآخر يأمر. وساد الهدوء قليلا عندما ظهر مدير السجون وثلة المدنيين. وصدر الإذن بإنزالنا أو بالأحرى إسقاطنا على الأرض. وأنزل أولنا ولنقل دحرج والثاني .. وهكذا كنا كالأكياس أو كصناديق البضاعة مرميين بلا حراك إلا الأنين والتوجع
وصدرت من هنا وهناك بعض الإحتجاجات على الأوامر المعطاة :
كيفاش نهبطوهم وهما هكة.؟ - وكيف يطيحولنا.؟ - يطيحوا ونطيحوا معاهم.؟ - خلينا نحلوهم هنا ما ينجموش يهبطوا مربوطين من ثلاثة ؟ - الدروج برشة يطيحوا ويتكسروا.... الى آخره من الملاحظات المنبهة للخطر من إنزالنا مقيدين بهذا الشكل.
وكان رد مدير السجون صارما < يهبطوا هكة > كل إثنين أو ثلاثة يهبطوا واحد. وفعلا بدئ بتنفيذ الأمر. وسحبني إثنان الى الفوهة... كانت عميقة وعميقة جدا بدرج حجري يغوص في الأرض بلا نهاية ... ولأول مرة أسمع كلمة شفقة من حارس..قال مخاطبا صاحبه بالشوية عليه.. وقال يخاطبني ..سايس روحك..و لا أعرف كيف وصلت الى قاع الجب. ولا أظن أن أحدا منا يتذكر كيف وصل.
كان الضوء في داخله باهتا وبمجرد وصولي شعرت بالرطوبة وكأني في سحابة غيم ..وجرني آخران الى موقعي الجديد بينما صعد من أنزلني ليأتي بالباقي. كان أولئك الذين يرتدون الثياب المدنية قد سبقوا إنزالنا وهم يحملون أوراقا وملفات يتفحصونها بالقرب من الضوء الخافت ،بعد أن يسألوا كل واحد عن إسمه ويأمرون الحراس بإيصالنا الى زنزانة بعينها.
الجبل بصخوره الناتئة فوقنا وفي جوانب الممر الطويل الطويل..والزنزانات بأبوابها الحديدية تظهر من حين لآخر في هذا الممر . وأوصلت الى المكان الذي عين لي، ثم عبد القادر بن يشرط ثم عز الدين الشريف ثم المنصف الماطري ثم محمد قيزة - خمسة -.
كانت ضالة الإسمنت لا زالت طرية نوعا ما وقد برزت منها حلقات حديدية وأوقف كل واحد أمام حلقة.وبقينا هكذا زمنا، ربما حتى تم إنزال الجميع. الى أن جاء مدير السجون ليتأكد بنفسه وهو يراجع ملفه وليعين بالضبط الحلقة التي يجب أن نربط فيها وهكذا نقل كل واحد منا - حسب أوامره الى المكان المعين له.
وجيئ بالحداد و هو < سجين > صحبة سندانه ومطرقته. وفك الحراس قيود أيدينا وأخذ الحداد حلقة القيد الثانية التي في أقدامنا وبشمها بمسمار بشيمة في الحلقة.أمام أعين المدنيين الرقيبة.
طوال الإستنطاق، والمحاكمة، والحكم، وخلال سنوات غار الملح.في عنق الجمل. و كل الذي مر بي. لم أشعر باليأس و لم أفقد الأمل في الحياة... كل هذا الأمل أحسست به يطير وأنا أرى الحداد يجمع القيد الذي ألصق بساقي والحلقة التي في الأرض ويفلسها بين السندان والمطرقة بضربات ترن في الجب العميق الذي وضعنا فيه. إنها النهاية لن نخرج أحياء ... وأخذ الحراس يتفقدون صنعة الحداد واحدا واحدا وقد علا الجميع الصمت.وأنهى الحداد.. مهمته بالنسبة الينا كلنا، سواء نحن الخمسة أو الباقي في الزنزانة القريبة منا. أو الزنزانات الأخرى.
وغلقت الأبواب، وأطفئت الأنوار تماما. وساد الصمت الفظيع والذي زاد من كثافته الرطوبة الثقيلة والتي بدأت تلتصق بملابسنا وتتحول الى ماء. وزادنا الظلام الدامس كآبة.
وبدأنا الحركة، ونحن نتلمس أبداننا أولا بحثا عن كسر أو رضوض ونسأل بعضنا كل عن حاله. الشيء الأول الذي لاحظناه أن الإحساس شبه منعدم في كفينا فالقيد الذي أحاط بمعاصمنا أوقف جريان الدم فيهما لساعات نقلنا.فأصبحت شبه ميته.
ولا يعرف أحد هل أصيب بكسور في أضلاعه أم هي تشعر أم رضوض فقط. وتحسست المكان وجلست منكمشا بقدر الإمكان وقد بدأت أسناني تصتك وأنا لا أقوى على إيقافها. والقشعريرة تهز بدني كله وأنا أرتجف من البرد في ملابسي المبللة.
حفاة..عراة..جياع.. عطاش.. تحت الأرض.. مقيدن بالأرض.. في الظلام الدامس..البرد شديد.. تقطعت بنا الأسباب ... و لا وجه الا وجهك يارب< صبر جميل والله المستعان >.
وإشتعلت الأضواء بعد ساعة أو ساعتين .. وسمعنا وقع أقدام وضجة وأبواب تفتح وتغلق، الى أن وصلوا الينا. وفتحوا الباب وألقوا لكل واحد منا غطائين، و ذهبوا وأطفؤوا الأنوار ثانية.
وسرعان ما تدثرنا بها لتبعث فينا شيئا من الدفئ ولنحاول الراحة أو النوم. كانت الإضاءة السريعة أثناء وجود الحراس كافية لنقدر مساحة المكان الذي نحن الخمسة فيه. فهو لايتجاوز ثلاثة أمتار ونصف في ثلاثة أمتار مبني بالحجر، وكما عرفنا من بعد هو مكان المصعد الكهربائي< Monte-charge > المستعمل لإنزال الذخائر وإخراجها من المستودع.وفي الحق كانت زنزانتنا حسنة التهوية إلا أنها أبردها
لوقوعها في مجرى التيار الهوائي أم أسوء الزنزانات تهوية فهو جيب يصل الهواء اليه بصعوبة وهو ما كان مستودع الذخيرة وفي الصيف يكاد ينعدم فيه تجدد الهواء كما عرفنا بعد.
البرد القارس والساعات الطويلة من غار الملح الى بنزرت. كان من اللازم أن يحس الإنسان بحاجة التبول. وليس في الزنزانة أي سيء إطلاقا. وكنا كلنا هكذا. وحتى في الزنزانات الأخرى بدون وعاء لقضاء الحاجة. و معنى التبول أن الماء سينتشر و يمس ثيابنا و غطاءنا و أبداننا. ولم يكن هنالك مجال للحركة فنحن مقيدون في الأرض لا نستطيع الإبتعاد الا مسافة السلسلة. ثم كيف السبيل ونحن في الظلام الدامس.
تقريبا وحسب تقديرنا بقي في وسط الزنزانة مساحة مترين مربعين. وإتفق خمستنا أن أحسن طريقة هي الإحتفاظ بما لدينا ما أمكن و إفراغ أقل ما يمكن.في انتظار فرج ما و كان لازما علينا عندما يبدأ أحدنا أن يصدر الآخرون أصوتا حتى لا يوجه المتبول نحوه و قمت أنا وقدور بالتبول على الباب فقد كنا قريبين منه ثم محمد قيزه ثم منصف الماطري وبقي عز الدين الشريف وكان في الوسط بين الإثنين وأنا وقدور أمامه.وتوجيه البول كان صعبا بالنسبة اليه لقربنا نحن الأربعة منه. وكنت أنا وقدور نتحسس الأرض بيننا لنعرف الى أين وصل الماء ونقدم < تقريرا >.عن الحالة .... كان الظلام كما قلت دامسا وأحسسنا أن بحيرة البول لم تتوسع كثيرا في اتجاهنا.بالرغم من أن عز الدين قضى أمره ولم نفهم الا في الغد. فقد عرف المسكين أنه لن يستطيع بمثانته المملوءة أن يمنع إتساع البركة فهي ستمسني أنا وقدور. فما كان منه الا أن التجأ الى ملئ كفيه كل مرة وتوجيهها والقاء ما فيها نحو الباب و هكذا الى أن قضى حاجته.
آسف لذكر كل هذه التفاصيل وتأكدوا أني غسلت بالدموع الكلمات التي كتبت.. وأني توقفت العديد من المرات لأجفف دموعي.... وفيما يخص هذا الموضوع سأختصر، فبعد أن وجد الحراس أن الحاجة البشرية ستصبح مشكلا لا يمكن تفاديه جلبو لنا أوعية لقضاء حاجتنا... وكان نصيبنا نحن الخمسة سطل من البلاستيك كان يستعمل للدهن يتسع لخمسة أو سبعة لترات ومشقوق من جانبه الى النصف تقريبا . وكان من المستحيل الجلوس عليه - وقضاء الحاجة الكبيرة والصغيرة في آن واح بل كنا نتبول قبل ثم نقضي حاجتنا الأخرى بعدها ونحن كالكلاب لا وقوف ولا جلوس. وإمتنعنا عن شرب الماء الا عند العطش الشديد حتى يتسع الوعاء لضروراتنا.... وبقينا على هذه الحالة شهور وشهور. و عفوا على هذا الإستطراد والتوسع ولكن لتعرفوا بعضا من آلامنا.
أين نحن
نحن في ما يسمى بداموس الرومي في جبل الناظور في بنزرت قبالة البحر. هذا الداموس هو مستودع للذخائر حفرته فرنسا أيام السنين الأولى من عهد الحماية وهو على شكل حدوة الحصان أو الحرف اللاتيني < U > في الجبل على عمق سبعة الى عشرين متر تقريبا تنزل اليه بسبعة وثلاثين درجة من الإرتفاع الكبير ثم تنحدر أمتار تقريبا مائتي متر مربع هو المستودع .
إستعملته تونس كسجن لنا أما فرنسا فلم تستعمل الا زنزانتين في بداية الدرج كغرف عقاب وهكذا سمع به البعض وكان مصدر رعب الكثيرين ولا أحد يعرف باقيه من العرب وأقامت تونس في ممراته والجيب الداخلي ستة زنزانات هيأت لنا خصيصا وكما ذكرت أولا حتى عدد الحلقات الحديدية في الأرض كانت على عددنا بالضبط وكما لاحظتم أن مدير السجون بنفسه قد إختار أمكنة ربطنا في الأرض ومرة طلب علي بن سالم أن يبدل موضعه ويأتي آخر مكانة فهو مريض جدا ولا يقدر على جب الماء للآخرين - فقد كان موقعه بجانب حوض الماء -وكان أن أجابه الحارس الأول:- مدير السجون لا يستطيع أن يبدلك من بقعتك.؟ ؟ فكيف أنا ؟
هذا وقد إستغلت إدارة السجون عنابر الجنود بجانب الجب لتنشئ سجن الأشغال الشاقة وتعوض أبراج غار الملح.
و قد أهملت صيانة هذا الجب كمستودع للذخيرة بعد أن أنشأت فرنسا والحلف الأطلسي في أواخر الأربعينات بعد الحرب العالمية الثانية مستودعات للذخيرة أخرى أحدث وأعمق.وهكذا كانت صخور جدرانه وسقفة ترشح بإستمرار بالماء وخاصة في الشتاء عند نزول الأمطار.ويبلغ ما يتجمع منها أحيانا ما يقرب من ثلاثة آلاف ليترة يخرجها المساجين يوميا حتى لا نغرق.
ولبثنا في كهفنا سنين. وتعودنا على المشقة لكن البرد وثباتنا في مكان واحد والرطوبة العالية وقلة التغذية والحرمان من ضوء الشمس. كل هذه الآسباب كانت تأكل أجسامنا فتيبست مفاصلنا و تقوست ظهورنا نصفين و لم نعد نستطيع الوقوف بشكل مستقيم علاوة على الشحوب وإصفرار البدن وبدت أبداننا هزيلة بشكل مخيف فوجودنا في الجب يتطلب إستهلاكا عاليا من الحريرات وبالتالي الفيتامينات. ولكن لاشيء من هذا حتى الطبيب غير ممكن لنا مقابلته كل ماكان هو زيارات متباعدة للحارس الممرض وأصبحت صيحات الألم تصدر بشكل عادي عند كل حركة منا ولم نعد نستطع التقلب في فراشنا الا بصعوبة كبيرة
و اعتدنا على الشقاء و البؤس وأريد أن أشهد هنا. أننا لو بقينا تحت مراقبة رئيس حراس غار الملح وفي تصرف مدير السجون الذي كان وقت إعتقالنا لما خرج واح منا حيا. .فقد كان مدير سجن الرومي والناظور. والذي يبقى مفتاح الداموس في عهدته كل ليلة ولا يسلم الا لأهل الثقة المكلفين بنا. قلت كان يزورنا بإستمرار ويحاول شيئا فشيئا أن يزحزح الأوامر فقد أمر بصنع حوض صغير للماء بدل من أن ننتظر لنشرب مرتين في اليوم من أيدي الحراس. وأبدل لنا بعد شهور ذلك السطل المشروخ الذي كنا نقضي بعذاب فيه حاجتنا وزوده بغطاء. وكان يسهر على تبديل الحصر والأغطية بشكل دوري لتجف وتعاد الينا . ثم ترك لنا الحصر التي كانت تسحب منا في كل صباح عند مراقبتنا وعدنا. ولما تفاقم مرضنا زودنا بفرش
ذكرت أن مديرا للسجون - وهو حاكم تحقيق سابق -عين بدل الأول. وقد كان مؤدبا جدا معنا بعكس من سبقه وكنا نحس بموعد زيارته حيث يقع تغيير ملابسنا وحلق وجوهنا ورؤوسنا ولما رأى تدهور صحتنا أذن بخروجنا داخل الداموس للتمشي قبيلا وتحريك دمنا. وأقتلعت مسامير التبشيم وأستعيض عنها طريقة أخرى حتى يقع فتحها و اغلاقها أسرع.وجلبوا لنا الماء الساخن في أوعية المطبخ للإغتسال بعد شهور وشهور. وواضح أن مدير السجون لا يستطيع أن يفعل أكثر من هذا.
آخر مرة رأينا فيها الشمس هو أول أكتوبر 65 - يوم نقلنا من غار الملح الى الداموس ثم مضت سنين ...إلى أن كان يوم لا أستطيع أن أحدده إنما هو بين الربيع والصيف ...فتح الباب ووقع فكنا من الأرض وأخرجنا من الداموس وصعدت الدرج المؤدي الى الهواء الدافئ والشمس على أربع فلم نكن نقوى على الصعود بشكل عادي الا قلة منا
كان يوما مسمشا والوقت صباح وبدأ الضوء يغمرني وعيناي التي حرمت من الضوء لا أقوى على فتحها. صدقوني إن عبارة < غمرني الضوء أفهمها الآن لا كما يفهمها غيري فبعد تك السنين تحت الأرض لها إحساس آخر لا تعرفونه.
على سطح الأرض كان هناك شخصان بثياب مدنية ومدير السجن وبعض الحراس و الحداد< السجين > بمطرقته وسندانه.
وبإذن من أحد المدنيين كان يجلس كل واحد منا أما الحداد ليكسر قيده. ويقف ليأتي الآخر... وهكذا وإكتشفنا أصحابنا الذين لم نرهم منذ كنا أحرار.
وأدخلنا غرفة قريبة وليأت هذا المسؤول. ويتكلم بلطف ومواساة ذاكرا ما قاسيناه.. وبأننا سنعامل كمساجين عاديين وسنتمكن من مراسلة عائلاتنا وأن الإدارة ستبعث بطبيب خاص لفحصنا بعناية وعلاجنا وسنتمتع بالكانين والكتب ...الخ
وأخيرا إنكسر القيد وأخيرا ضوء الشمس وأخيرا لقاء الأصحاب والتعرف على أخبار الأهل والأقارب وأخيرا النظافة وأخيرا الطعام ... وأخيرا ..وأخيرا...ولادة جديدة .. لم تتعود أعيننا على الضوء الساطع وعلى الرؤية البعيدة .. والألوان .. والنسمات الدافئة ..كالمخبولين نهنئ بعضنا المرات والمرات ثم نتجه نحو النوافذ نتطلع الى البعيد والى الأشجار التي ظهرت وراء الأسوار ..حتى الحراس تبدلت لهجتهم وكثير منهم هنأنا بالنجاة ..
ومضى يوم ثم آخر ثم آخر ستة أيام ونحن ننتظر قدوم الأهل وفي عشية اليوم السادس.. مدير السجن صحبة عدد غفير من الحراس المسلحين والحارس المكلف بنا يأمرنا بالخروج والإتجاه نحو الداموس وسط صفين من الحراس المدججين بالسلاح وأعدنا الى زنزاناتنا القديمة ثانية ولكن دون قيود في أرجلنا.
ماذا حدث ؟ و لماذا أخرجنا ؟ ولما أعدنا ؟ ..لا أحد يعرف ..أين كلام ذلك المسؤول.....لانعرف. وبقي الأمر سرا الى الآن.
منذ أيامنا الأولى في الداموس وحتى آاخر لحظة فيه كنا محل زيارات لعديد من < الشخصيات > ومن الوجوه التي كانت تزورنا كنا نعرف درجة البؤس والشقاء الذي نحن فيه. كانت وجوه القوم مصفرة حتى تبلغ البياض رعبا. والسعال وتغطية الأنف بالمنديل هو من رائحتنا الكريهة. كانت التعليمات دائما أن تتجه وجوهنا الى الحائط قبل فتح الباب حتى لا نرى القادمين ونتعرف عليهم .ولكن أغلبهم كان يفضل أن يتفحصنا فنستدير ونقابلهم صامتين ونحن نتساءل في أنفسنا لماذا أتوا ..أو بالأحرى لماذا أرسلوا الى هذا المكان فنحن نعرف بل على يقين أنه لايسمح لأحد بالدخزل الينا إلا إذا أتى إذن من فوق...فوق..فوق.لماذا كان يرسلهم ..لإرعابهم فلا يتحرك منهم أحد؟ أم ليطمئن علينا وعلى وعلى عذابنا ؟ أم هل لا زلنا بعيدين عن نهايتنا ؟ لا نعرف الجواب الى الآن لماذا ؟.
والغريب أنه بسبب حضور بعض من هؤلاء- المسؤولين - كان يعاد تقييدنا بالسلاسل في الصباح ثم فكها في المساء بعد حضور هذه - الشخصية - < هذا بعد أن تم نزع السلاسل رسميا خلال الأيام الستة الكذكورة >
وأرجو إن كان أحدكم يعرف لماذا أن يخبرني ؟ فأنا ليس لدي تفسير معقول. إلى أن كان يوم . وهذا اليوم أتى بعد شهور من سنين. زارنا فيه السيد الطاهر بلخوجة. ولأول مرة يتحدث الينا مسؤول بشكل معقول ويسأل مدير السجن أمامنا ..
وسأل هل نقابل الطبيب ؟ وهل نخرج للشمس والهواء أحيانا وولماذا نحن حفاة، وبملابس بالية.و وهل لدينا كتب و.و.و. ثم سأل عن مراسلاتنا مع أهلنا. وكان جوابنا بأننا لم نتلق أية رسالة ولم نرسل أية رسالة منذ إعتقالنا وأننا لا نعرف شيئا عنهم منذ إعتقالنا... وأمامنا أعطى التعليمات لنتمتع بالمراسلة وبالكتب والخروج الى الشمس. ولم نكن شديدي الحماس لمثل هذه التعليمات بعد ما حدث لنا من خيبات.
ولكنه كان صادقا. ففي المساء أحضر سجين قفة كبيرة بها بقايا أحذية وألقى أمام كل واحد زوجا .. وهكذا والغريب أنه بقطع النظر عن المقاس كانت حصة واحد منا إثنين يمين أو إثنين يسار المهم فردتي حذاء وحاولنا التبديل مع بعضنا وبقي البعض يرتدي إثنان يمين أو إثنان يسار وكان منظرنا باعث للضحك أكثر مما هو باعث للآسى فلا فردة الحذاء ولا لونها ولا مقاسها متناسبة مع الفردة الأخرى وقلة منا من وجد الفردة الأخرى.عند صاحبه.
وفي اليوم التالي أحضرت لنا أوراق < أصغر من أوراق الكراسات > وأقلام لنكتب الى أهلنا لآول مرة منذ سنوات. وبالطبع دون أي إشارة من بعيد أو من قريب الى مكان وجودنا أو أين نحن. فقط إعلام بأننا بصحة جيدة وسؤال عن أخبارهم وبدون أي تعليقات منافية لهذه التعليمات. ولأول مرة نمسك قلما منذ سنين وماذا نكتب ومن أين نبدأ وكيف نسأل عن الأحوال وهل ستكفي هذه الوريقة . المهم أننا كتبنا كل بطريقته.ولبثنا ننتظر الرد. ومرت أيام كأنها دهور. وبدأت الرسائل تصل من اعالم الآخر الذي وراء الأسوار عن أخبار العائلات. وبالطبع ليس فيها ما يحير أو يقلق .. نحن بخير ولا ينقصنا ألا رؤيتك ولا ينقصنا الا أن تكون معنا.. الى آخره.. من الجمل العادية جدا .. وكانت الرسالة التي تصل الى كل واحد منا تقرأ بصوت عال علينا كلنا مرات ومرات ووصلت الى بعضنا صور عائلته وأولاده وقد كبروا وترعرعوا وازدادوا طولا بعد كل هذه السنين. كانت كل رسالة وكل صورة ملكا للجميع باحساس غريب بأننا أسرة واحدة وهؤلاء أبناءنا وأخواتنا وأقاربنا والأخبار أخبارنا جميعا لا فرق بيننا.
وذات يوم أحضرت لنا الكتب من مكتبة السجن ... فالتهمناها التهاما وبإعجاب شديد فبعد هذا الجوع الذهني كان كل شيء يقرأ ..بليغ ..و ..فصيح و..مفيد و...عظيم
وقدمت لنا بعد شهر ورقة ثانية لمراسلة الأهل .. وكان هدوءنا أكثر وعرفنا كيف نخاطبهم بترو و تجرأنا وطلبنا الكتب منهم عسى الإدارة تقبل دخولها،فقد علمنا أن رسائلنا تمر حتما بإدارة السجون ثم تأتي الينا بعد هذا، وحرصنا أن تكون بعيدة عن السياسة أدب تاريخ وما اليه وجاءت الدفعة الأولى ثم الثانية وهكذا إنهمك كل واحد منا وغاص في الكتب التي تروق له فهي ملك للجميع.نقرأ ونقرأ بظمأ شديد بعد هذا الجفاف الذي عانيناه.
وأصبحت زيارات مدير السجون متقاربة ودائما كان حديثه مطمئنا وأعطينا ملابس جديدة وأحذية مناسبة وأغطية جديدة وبدأ وضعنا يتحسن فالهواء الذي كنا نخرج اليه كان له فعل السحر والمعنويات إرتفعت وأصبح الداموس كأنه سكن عادي مقبول بفعل تعودنا عليه و ظروف عيشنا التي تغيرت شيئا ما.وأصبح بإستطاعتنا أن نقابل الطبيب بعد موافقة الحارس الممرض الذي يعاين الحالة حتى من الأكل تحسنت كميته..
وطبعا لم يتم هذا دفعة واحدة بل قطرة قطرة أو حسب قول مدير السجون خذ وطالب.إلا أن شيئا واحدا كان غير ممكن هو خروجنا من الداموس نهائيا.وكنا عند نطلب هذا من مدير السجون يحرك يده بإشارة معناها .. أين أنتم من هذا ؟

تميم الحمادي التونسي  .

mercredi 13 novembre 2013

Malaise dans la liberté, malaise dans la culture *

Cet article a été publié le 16 novembre 2009, et il est effarant de constater, à quel point cette rencontre était prémonitoire. 


"Même si certains la jugent trop enlisée dans le concept pour être connectée à la Cité, la philosophie continue à interpeller les hommes tout en se tenant à distance de la réalité pour mieux en mesurer les malaises. Merleau-Ponty ne disait-il pas que le malaise est essentiel à la philosophie, car c’est précisément de là que procède son pouvoir de vérité et sa capacité à remettre en question les croyances comme les certitudes. L’attitude philosophique serait alors en elle-même un engagement, dans la rigueur et la clairvoyance que lui autorise le concept, tendant vers un sens plus concret de la liberté dont l’exigence rationnelle ne cesse de réinterroger nos sociétés de marché.

C’est d’emblée cet intérêt que pointe la rencontre croisée du Collège International de Tunis, en s’articulant autour d’un « malaise dans la culture » et d’un « malaise dans la liberté », non pas que le malaise soit double, mais afin d’ouvrir le débat à une pensée multiple et plurielle que des psychanalystes, sociologues, anthropologues, philosophes, juristes et universitaires maghrébins sont venus alimenter à la lumière d'une actualité excédante.

Ainsi, le Collège International de Tunis accueillait à l’occasion l’Espace Analytique franco-tunisien dont les membres ont débattu autour du thème-titre, « Malaise dans la culture », référant bien évidemment à Freud. Dans son ouvrage éponyme, celui-ci se penche sur la notion de "sentiment océanique", mentionnée dans une correspondance avec l'écrivain Romain Rolland qui y voit la source de la religiosité, en tant que sentiment d’un lien indissoluble entre le moi et le monde extérieur. Mais pour Freud, cet « ego océanique » proviendrait plutôt des sentiments de « désaide » infantile et de « désirance » pour le père. Partant de l’analyse de « la psychologie collective », il rapporte ainsi la notion au narcissisme primaire et à l’effacement de la frontière entre le moi et l’objet, caractéristique de l’état amoureux et de la psychose. Un parallèle doit-il alors être établi entre psyché individuelle et psyché collective ?

"La folie des masses"

C’est ce que entreprend le psychanalyste Jacques André dans son intervention « Les territoires de la haine » en s’appuyant sur le cas de patients, « Julien » et « Lucien », qui représentent deux figures de la croyance et recouvrent les deux psychogenèses des émotions et des sentiments évoquées par Freud. Par-delà la dimension religieuse, Jacques André interroge cependant la question de la haine, découlant de l’angoisse et la détresse qui ouvrent sur l’énigme intérieure et sur les frontières instables du moi. Rappelons, en l’occurrence, que Michel Hulin dans son livre « La mystique sauvage » (1993), avait traité de ce qu’il appelle les « extases laïques », ce sentiment de l’infini qui saisit parfois les sujets les moins portés sur le fait religieux. En élaborant la question du père à partir de la théorisation freudienne, Lacan fait précisément jouer père réel, père imaginaire et père symbolique, rappelant toujours que le père symbolique était le père mort. « Cette notion n'apparaît pourtant plus dans son enseignement après 1970. En revanche, il mettait en garde les psychanalystes en «prophétisant » la montée du fanatisme religieux en lien avec le discours de la science ». A l’œuvre dans la culture, le « sentiment océanique » met donc en jeu les pulsions de vie (Eros) et les pulsions de destruction (Thanatos) qui vont l'une et l'autre interférer dans le développement culturel de l’individu face à sa communauté. Si la psychanalyse éclaire l’acte, la philosophie, elle, tente de cerner la situation du moment toute chargée d’histoire. En effet, entre religiosité destructrice et désenchantement du rationalisme occidental, se pose le rapport à soi et à l’autre. Ainsi, dans une communication intitulée « L’interculturalité comme remède au malaise dans la culture », Fethi Triki critique la notion du « vivre-ensemble » dont le risque consiste, selon lui, à se transformer en un « ensemblisme dangereux » où « la haine de l’autre exclut la culture de l’autre ». Il propose en outre d’aborder la « colonialité » comme « déterritorialité », référant à la conception deleuzienne et glissantienne de l’identité, mais pour ressortir le malaise accentué par les formes de résistance qui prennent place dans les autres cultures. La fascination et la domination du Nègre a été par exemple déterminante comme structure de la capitalité de sorte que l’esclavagisme moderne doit être aussi considéré comme un effet de la colonialité et de l’instrumentalisation de l’homme menaçant sa liberté. En revanche, l’islamisme constituerait un autre aspect de déterritorialisation conférant à une pensée sans lieu précis, celui de la Oumma. Avec l’hyper-capitalisation de la mondialisation, la domination des cultures a débouché sur leur confrontation sanglante. Et Fethi Triki de situer l’issue dans le respect des différences structurelles des cultures en reconnaissant la dimension universelle de chaque culture comme bien commun et comme corpus critique offerts à toute l’humanité. Evoquant Farabi (la socialité) et Husserl (la crise des sciences européennes), l’intervenant constate l’échec du rationalisme et en appelle à l’esprit critique et éthique de la philosophie pour opérer une renaissance où l’universalité s'exprimerait par une vision non réductionniste du monde. Car le malaise est dans l’homme et découle de la dislocation de son essence, ajoute-t-il. Dans cet ordre d’idées, Mohamed Haddad proposera, quant à lui, face à la « complexité de la modernité, de la culture et de la tradition », d’élaborer de « nouveaux paradigmes » et de « ne pas s’arrêter sur des idées culturalistes en blocs ». L’interculturalité est « le Dieu trompeur », dira Hélé Béji dans la discussion qui suivra cette communication. En effet, ce n’est pas à travers la culture qu’on peut s’entendre puisque le noyau de l’Etre serait menacé par l’identification à la multiplicité. Et Lévi-Strauss avait prévenu contre la radicalité du pluralisme culturel. On peut se demander, en effet, si ce « sentiment d’appartenance à l’universel » ne comportait pas le même risque au fond que le «sentiment d'union indissoluble avec le grand Tout » que recèle le « sentiment océanique » ! Ce qui compte c’est le lien civil et la civilité, conclura Hélé Béji. C’est la constance à soi qui est mobilisatrice, rétorquera Fethi Triki et seule l’universalité de chaque culture peut garantir la mutabilité dans la convivialité, renvoyant pour finir à Hermann Broch et à sa « Théorie de la folie des masses», ainsi qu’aux analyses d’Elias Canetti. Empruntant à Freud, Broch tente, dans ce traité de psychologie politique, de comprendre comment les régimes totalitaires, le nazisme en particulier, ont su gagner l’adhésion des masses, en explorant les mécanismes psychiques individuels qui y ont conduit. Il livre ainsi une théorie de l’histoire fondée sur les forces du psychisme humain. Ce qui nous amène au livre de Mustapha Safouan qui, pour comprendre comment on choisit de basculer dans l’adhésion et non dans la résistance, se base sur La Boétie et analyse la façon dont se met en place ce rapport perverti au réel où des points de vue irréconciliables s’affrontent au sein d’une même époque.


« La liberté est la fêlure dans l’ontologie »

Car, précisément, la réflexion de cette rencontre s’arrime à trois ouvrages récents : « Aux fondements de l’orthodoxie sunnite » de Iadh Ben Achour, « Nous, Décolonisés » de Hélé Béji, et enfin « Pourquoi le monde arabe n’est pas libre. Politique de l’écriture et terrorisme religieux » du psychanalyste franco-égyptien Mustapha Safouan. Celui-ci situe sa réflexion par rapport au « Discours de la servitude volontaire » de La Boétie qui se demandait déjà au XVIéme siècle, dans son essai, ce qui fait que les hommes abandonnent l’idée de liberté. Il s’agit, en effet, « non de la servitude en tant que telle, mais de son caractère volontaire. » Et c’est en traduisant cet essai en arabe que Safouan tente de répondre à la question en se penchant sur le monde arabe du XXIéme siècle. « Bien que le mot libération ait soulevé de grandes passions parmi les masses, passions toujours sensibles dans les écrits de Frantz Fanon, le mot lui-même ne faisait qu’indiquer un but, la libération du colonialisme et/ou des pressions politiques exercées par les deux grandes puissances de l’époque, sans dire comment l’atteindre ni ce qu’il y a à en faire, une fois atteint », écrit-il ainsi. En revenant sur ce sujet, cher à Albert Memmi qui évoquait lui aussi la liberté conquise et reconquise par les peuples, Hélé Béji écrit cependant : « Mais, quoi que nous fassions ou que nous pensions, nous, décolonisés, la liberté est désormais l’air invisible que nous respirons sans en rendre compte. Maladive ou vigoureuse, elle est déjà en nous, même si nous ne la voyons pas. Fantôme insaisissable sorti d’un monde devant lequel nous nous sentons impuissants et chétifs, elle exige un courage dont il faudra bien que nous trouvions un jour la force. » Mais la conscience humaine dispose-t-elle vraiment de cette liberté pour s’orienter dans un sens qui ne bascule ni dans l’irrationnel ni dans un rationnel désenchanté. En abordant l’historicité de la notion, Iadh Ben Achour affirme d’emblée que « la liberté est une victoire et une défaite toujours recommencées ». A travers la confrontation des deux courants de l’islam, les Pélagiens et les Môtazilites, à travers l’Histoire, Ben Achour constate, en remontant aux textes des anciens, que « l’histoire de la liberté s’avère comme l’histoire d’une impossibilité ». Spécialiste en littérature arabe et en réformisme musulman, Catherine Farhi, qui dit « se méfier des textes sur lesquels on a fondé la notion de Sujet », conteste quant à elle le « déterminisme de la théocratie dogmatique ». Zied Krichen étayera à son tour l’approche de Ben Achour, en affirmant : « la liberté n’est pas dans l’ordre des choses, c’est la cassure dans l’ordre des raisons, c’est la fêlure dans l’ontologie ». S’il faut penser la modernité en termes d’autonomie tel que le prône Mohamed Haddad, ne faut-il pas également pas aborder la liberté individuelle comme un idéal pour la pensée en acte et convenir avec l’écrivaine Daniéle Sallenave, citant Aron, de ne pas « minimiser la place de l’ignorance ». Et rejoignant Hélé Béji sur le nécessaire lien de civilité, Yadh Ben Achour concluait en définissant la liberté comme « un projet de libération pour un monde civilisée ». Nabiha Jerad avait notamment évoqué, lors de la discussion, une proposition avancée par Safouan sur la nécessaire réhabilitation de la langue parlée, chez les écrivains et les intellectuels, pour échapper à la sacralisation de l'arabe et éviter le «choc des civilisations».

« Comment pouvons-nous nous dédouaner si facilement et nous convaincre que seul un pouvoir occulte et lointain que nous n’avons pas détient la clé exclusive de notre salut, ou de notre chute », se demande encore Hélé Béji. 

La maîtresse de céans, qui accueillait, au tout début de la rencontre, les participants en leur souhaitant la « bienvenue dans la scène spirituelle de la demeure et de la demeurance », n’avait pas tout à fait tort de croire au pouvoir de civilité de la philosophie dont le rôle finalement consiste encore et toujours à établir des liens d'intelligibilité entre les différentes formes de discours et les différents modes de pensée, en dehors de toute prétention totalisante. Car enfin, il s’avère que l’usage pour chacun de sa raison ne suffit pas et qu’il faut le confronter avec d’autres afin d’instaurer un ordre supérieur à la fois à la liberté et à la raison, qui déchantent nous dit-on. Sans doute, cet ordre serait celui d’une éthique et d’un combat contre les signifiants-maîtres, que sont la peur, l'ignorance et la servitude. Placée face à une psychologie de la soumission, cette philosophe de la liberté se muerait en « écosophie », ce néologisme auquel Deleuze attribue la fonction de construire de nouvelles modalités de l’être en groupe à toutes les échelles".


PS: C'est marrant, en cliquant désormais sur le lien du journal Le Renouveau où fut publié mon article, je tombe sur le site de l'ATI (Agence tunisienne d'internet) !:)


Annexe: "Liberté", le texte de Hélé Béji sur "L'ange" de Nacer Khémir, le tableau-affiche de cette rencontre du collège de Tunis.



Liberté

« Cette peinture est l’image d’un conte, un conte moderne. Elle est étonnante à plus d’un titre, elle est une œuvre remarquable de Nacer Khemir, qui nous en dira quelques mots, s’il le souhaite. Mais je voudrais vous dire moi-même ce qu’elle m’inspire. Il y a tout lieu de penser que c’est par ici, dans ce coin, que cette histoire se passe, mais on peut aussi imaginer que c’est ailleurs. Ici, au-dessus de la maison où nous sommes réunis. C’est le petit minaret qui est par là, au bout de la rue, ou à gauche, un peu plus haut. Et la coupole est tout près aussi, près de ce petit marché aux puces qui grouille de monde. Mais dans le tableau, il n’y a personne, sauf le ciel, un ciel troublé, mélangé d’ocre, de vert, de brun, pas limpide, mais opaque (vous savez c’est comme la mer Méditerranée, on croit qu’elle est bleue, mais elle est « vineuse », dit Homère, couleur du vin) ; au bas du tableau, il y a la petite ligne des terrasses où nous sommes ramassés en un petit point invisible, et au-dessus de nous plane une créature plus grande que le quartier, un ange, une sorte d’Icare dont l’ombre se reflète sur les toits. Tout cela est très beau, mais ça n’aurait été que cela, s’il n’y avait un déséquilibre profond, une grave brèche par laquelle le tableau prend son sens : le minaret penche dangereusement, il se décroche, il ne tient que par un point, un fil, il est fendu, et l’ange semble poussé dans le même sens comme par une brise, et tout bascule vers un même côté. Mais vers quoi ?

On voit que l’ange semble immobilisé au-dessus du minaret brisé, le découvrant, les yeux fixés sur lui, les paupières baissées et non pas ouvertes vers le lointain. Ou bien est-ce son passage qui, comme un mini cyclone, a ébranlé le minaret ? 
Qui est-il ? Il n’est pas l’ange de la révélation, car sinon le minaret ne serait pas cassé. 

Je me suis dit qu’il était peut-être le songe d’un homme libre, ou qui cherche sa liberté, sa direction. 

On comprend déjà que la liberté est d’abord dans l’élévation, la capacité de s’élever, la vision de grand angle que nous prenons avec le monde auquel nous appartenons. La liberté suppose la hauteur de notre regard, sur nous-mêmes et sur les autres, qui est une victoire sur la pesanteur. La liberté n’est pas légèreté hors de toute gravité. Elle est l’élan, l’effort de l’élan. On ne sait pas d’où vient cet ange, mais visiblement il ne tombe pas du ciel, il s’élève depuis la terre, ses jambes pendent un peu, il n’est pas horizontal, il est en l’air, mais comme s’il avançait sur ses jambes presque plus grandes que ses ailes. Donc la liberté, c’est la hauteur de notre démarche, qui nous donne le sens de la gravité du monde. 

Mais il y a plus. Le minaret a subi une destruction. L’élévation (ou la liberté) est donc en relation étroite avec la destruction, avec la chute. Est-ce que l’ange est en train de tomber, ou est-ce qu’il est en train de voler ? On ne le sait pas, au fond. Quoiqu’il en soit, ce qu’il voit, c’est ce qu’il a fait lui-même de ses œuvres, les ériger, et les détruire. Ça, ce sont des actes de sa liberté. Chacun sait que l’homme crée ou détruit parce qu’il a le choix de le faire. Je pense que les destructions veulent se justifier du désespoir, mais elles ont en fait une logique propre liée à la volonté, et au désir, à l’attrait de la destruction.
Il y a donc, dans la forme gracile de ce minaret penché comme la tour de Pise, quelque chose qui est menacé par la brutalité, et nous qui vivons ici, nous voyons ce dangereux déséquilibre entre la délicatesse et la brutalité, au profit hélas de cette dernière. Alors, nous comprenons que la liberté réveille la faculté de créer de la beauté contre la fatalité de la laideur. Ce tableau est un geste libre qui triomphe d’un environnement dégradé.

Mais il y a plus. Ce tableau montre une faille. D’où vient la faille ? Cette béance ouverte dans le mur est peut-être une vieille blessure, et en fait le minaret ne tombe pas, mais il s’est ossifié dans son histoire qui n’est pas guérie. Alors le problème est qu’il n’arrive ni à tomber, ni à se redresser, qu’il est pétrifié dans son infirmité, et le tableau est l’allégorie de ce malheur suspendu, où l’homme volant ne peut pas s’alléger du poids ancien, mais n’est pas non plus porté par le nouveau. La liberté a donc partie liée avec la peur de bouger, avec une paralysie entre passé et futur, elle est ce moment terrible où nous devons agir, et où nous ne le faisons pas, uniquement parce que nous avons peur. 

Mais on peut penser aussi que, sachant que, s’il s’arrête d’avancer, il tombe, l’homme qui vole a décidé de partir, d’aller voir ailleurs, de quitter un monde qui ne sait plus tracer sa route entre le passé, le présent, et le futur, et il jette un dernier coup d’œil mélancolique à ce monde sans mouvement, avant l’exil dont il ne reviendra pas – l’exil étant désormais la seule échappée de l’homme libre. 
On peut aussi imaginer que la brèche ouverte dans le minaret est celle par laquelle il s’est échappé, et qu’il est déjà loin d’un univers rapetissé par rapport à son grand corps dilaté par la griserie du voyage. Seul celui qui sait voyager est libre, et si l’on est privé de voyage, on est privé d’une liberté humaine fondamentale. Or, le voyage aujourd’hui, comme vous le savez, endure les lois de l’immigration que le monde libre a conçues contre ceux qui, de l’autre côté de la mer, voudraient eux aussi voyager librement, mais qui ne le peuvent plus. 


Mais la liberté c’est encore autre chose. On voit bien qu’il y a dans cette peinture une audace, une audace qui fait peur, qui vous donne le vertige (d’où le malaise), l’audace de représenter le sacré d’une manière impertinente, si l’on admet que le minaret est aussi la métaphore du sacré, bien qu’il puisse être, comme je l’ai dit, l’image du Beau menacé de l’intérieur, dans le conduit de ses oraisons où se produit la catastrophe d’où ne jaillissent que des sons brisés. 
L’audace ici est dans le geste de transgression, aux antipodes de la peur dont je parlais tout à l’heure, de la peur de bouger. Toute la peinture bouge au contraire, dans une représentation dissonante de la verticalité de la foi. Et dans cette image qui oscille, on comprend que la liberté est une force subtile entre la transgression, et la volonté de sauver, de ne pas détruire. La liberté est cette limite où l’on s’affranchit des contraintes, sans faire table rase. Le minaret n’est plus dans une ligne droite en direction de Dieu, il est oblique, mais il tient quand même ; il a pris un coup, mais il n’est pas à terre. C’est le signe que l’homme libre ne veut pas céder à l’héroïsme destructeur, au vandalisme, au contraire. Il n’y a pas de liberté, si l’on n’a pas le courage de toucher à l’interdit, mais ce n’est pas n’importe comment, pas aveuglément ; il faut le faire avec doigté, avec art, avec une science consommée, avec un langage approprié. La liberté étant elle-même une vertu fragile, elle porte une extrême attention à la fragilité des œuvres humaines, qui sont ses œuvres propres. L’humain est fragile parce qu’il est le produit de sa propre liberté. 

On pourrait penser aussi que l’ange, en prenant de la hauteur, l’a fait pour parcourir le temps de l’histoire, il vient d’Orient et il va vers l’Occident, pour rejoindre peut-être les points avancés de la civilisation, à la conquête de l’Ouest, il fait le chemin inverse des empires coloniaux qui partaient à la conquête de l’Orient, qui ont échoué, et qui continuent de le faire, après la guerre d’Irak. Peut-on extrapoler et voir dans cet envol vers l’Ouest, la destruction des Twin Towers, le minaret devenant la métaphore d’un gratte-ciel ou d’un clocher ? Pourquoi pas ? Ou bien, à l’inverse, y voir les destructions que les guerres « démocratiques » récentes ont occasionnées au Moyen-Orient ? Peut-être. 
Le protagoniste est dans le ciel, sans frontières, donc pas plus d’ici que de là, et cela suggère que la crise de la liberté n’est pas seulement de notre côté, et que la peur dont j’ai parlé, celle dont le psychanalyste Safouan dit qu’elle est « le vice le plus malin de l’âme », ressurgit aussi derrière les pratiques des démocraties « sécuritaires » modernes, supposées s’être libérées des terreurs ancestrales. L’Europe s’est transformée en forteresse impénétrable, où la culture de la liberté n’a plus l’intelligence de l’humanité étrangère. Mais plus que ça, la peur est inhérente à l’évolution sociale moderne, elle est la peur du chômage, d’être SDF, des attentats, des violences urbaines, des crack boursiers, des Musulmans, des épidémies, de tout un tas de choses, au point qu’il ne peut plus rester grand-chose du libre-arbitre, chez un individu autant criblé de peurs chroniques.

Je voudrais juste terminer par une petite conclusion personnelle sur la peur de la liberté. Je faisais souvent, petite, un rêve que j’adorais : je pouvais voler. D’où peut-être inconsciemment le choix de cette image. Je me souviens en particulier d’un rêve où je m’élevais exactement au-dessus de ce patio, et je survolais les terrasses de la ville. Une fois, au cours d’un de ces rêves, je me suis trouvée sur le bord d’une fenêtre haute, je regardais le vide, je voulais sauter pour voler, j’avais peur, mais le plus étrange est que, à ce moment-là, j’eus conscience que je rêvais (j’avais au fond de ma conscience endormie le souvenir de la réalité), et je me suis dit : puisque je rêve, je peux me jeter dans le vide, je ne vais pas tomber, je ne vais pas me tuer, ça m’a donné le courage de sauter, alors je m’élance dans le rêve, et je ne tombe pas, miracle, je vole !

C’est pour vous dire que c’est peut-être ce qu’il faut faire quand on veut prendre un peu le risque de la liberté, et ne pas avoir trop peur. Il faut entreprendre les choses un peu comme en rêve, comme si on les rêvait, être capable de rêver ce que l’on vit, se dire quelques instants, qu’il ne peut rien nous arriver puisqu’on est en train de rêver, puisque c’est un songe, et alors on aura un peu moins peur.

Donc, imaginons que nous soyons réunis ici comme dans un rêve, et n’ayons pas peur. 


Hélé Béji
31 octobre 2009 

mercredi 22 mai 2013

"Entre cet endroit et cet envers du monde..."

Un homme contemple et l’autre creuse son tombeau : comment les séparer ? Les hommes et leur absurdité ? Mais voici le sourire du ciel. La lumière se gonfle et c’est bientôt l’été ? Mais voici les yeux et la voix de ceux qu’il faut aimer. 

Je tiens au monde par tous mes gestes, aux hommes par toute ma pitié et ma reconnaissance. Entre cet endroit et cet envers du monde, je ne veux pas choisir, je n’aime pas qu’on choisisse. Les gens ne veulent pas qu’on soit lucide et ironique. 

Ils disent : « ca montre que vous n’êtes pas bon ». Je ne vois pas le rapport. Certes, si j’entends dire à l’un qu’il est immoraliste, je traduis qu’il a besoin de se donner une morale; à l’autre qu’il méprise l’intelligence, je comprends qu’il ne peut pas supporter ses doutes. Mais parce que je n’aime pas qu’on triche.    


Le grand courage, c’est encore de tenir les yeux ouverts sur la lumière comme sur la mort. Au reste, comment dire le lien qui mène de cet amour dévorant de la vie à ce désespoir secret. Si j’écoute l’ironie, tapie au fond des choses, elle se découvre lentement. Clignant son œil petit et clair : « Vivez comme si… », dit-elle. Malgré bien des recherches, c’est là toute ma science.

Après tout, je ne suis pas sûr d’avoir raison. Mais ce n’est pas l’important si je pense à cette femme dont on me racontait l’histoire. Elle allait mourir et sa fille l’habilla pour la tombe pendant qu’elle était vivante. Il paraît en effet que la chose est plus facile quand les membres ne sont pas raides. Mais c’est curieux tout de même comme nous vivons parmi des gens pressés

Albert Camus
Extrait de L’Envers et L’Endroit (1937)

mercredi 10 avril 2013

رسالة أبو حيان التوحيدي في الغربة والغريب

     .
سألتني رفق الله بك ، وعطف على قلبك أن أذكر لك الغريب ومحنه ، وأصف لك الغربة وعجائبها ، وأمّر في أضعاف ذلك بأسرار لطيفة ومعان شريفة ، إما مُعرضّاً ،وأما مُصرًحاً ، وأما مُبعّداً ،وإما مقرّباً . فكنت على أن إجيبك الى ذلك . ثم إني وجدت في حالي شاغلاً عنك ، وحائلاً دونك ، ومُفرّقاً بيني وبينك . وكيف أخفضُ الكلام الآن وأرفَع ، ما الذي أقول وأصنع ، وبماذا أصبر ، وعلى ماذا أجزع ؟ وعلى العلات التي وصفتها والقوارف التي سترتها أقول :

    إنَّ الغريب بحيث ماحطت ركائبه ذليل
    ويد الغريب قصيرةُ ولسانه أبداً غريب
    والناس ينصرُ بعضهم بعضاً وناصره قليل

    وقال آخر:

    وما جزعاً من خشية البين أَخْضَلَتْ دموعي ، لكنَّ الغريبَ غريبُ

    يا هذا ! هذا وصفُ غريب نأى عن وطنٍ بنى بالماء والطين ، وبَعُد عن أَلأّف له عهدهم الخشونة واللين ، ولعله عاقرهم الكأس بين الغُدران والرياض ، واجتلى بعينه محاسن الحَدَق المراض ، ثم إن كان عاقبة ذلك كله إلى الذهاب والانقراض ، فأين أنت من قريب قد طالت غربته في وطنه ، وقلّ حظه ونصيبه من حبيبه وسكنه ؟! وأين أنت من غريب لاسبيل له إلى الأوطان ، ولا طاقة به على الاستيطان ؟! قد علاه الشحوب وهوفي كِنّ ، وغلبه الحزن صار كأنه شَنُّ . إن نطق نطق حزنان منقطعا ، وإن سكت سكت حيرانا مرتدعا ، وإن قرب قرب خاضعاً ، وإن بَعُدَ بعد خاشعاً ، وإن ظهر ظهر ذليلاً ، وإن توارى توارى عليلاً ، وإن طلب طلب اليأسُ لاغالبُ عليه ، وإن أمسك أمسك والبلاء قاصد إليه ، وإن أصبح أصبح حائل اللون من وساوس الفِكْر ، وإن أمسى أمسى مُنْتَهَبَ السر من هواتك السَّتْر ، وإن قال قال هائباً ، وإن سكت سكت خائباً ، وقد أكله الخمول ، ومصه الذبول ، وحالفه النحول ، لايتمنى الإ على بعض بني جنسه ، حتى يفضي إليه بكامنات نفسة ، ويتعلّل برؤيه طلعته ، ويتذكر لمشاهدته قديم لوعته ، فينثر الدموع على صحن خده ، طالباً للراحة من كده
    وقد قيل : الغريب من جفاه الحبيب ، وأنا أقول : بل الغريب من واصله الحبيب ، بل الغريب من تغافل عنه الرقيب ، بل الغريب من حاباه الشريب، بل الغريب من نودى من قريب ، بل الغريب من هو في غربته غريب ، بل الغريب من ليس له نسيب ، بل الغريب من ليس له من الحق نصيب . فإن كان هذا صحيحاً ، فتعال حتى نبكي على حال أحدثت هذ النَفْوة ، وأورثت هذه الجفوة :

    لعَّل انحدار الدمع يعقب راحةً من الوجد أو يشفي نجى َّ البلابل



    يا هذا ! الغريبُ من غربت شمسُ جماله ، واغترب عن حبيبة وعذّاله ، وأَغْرَبَ في أقواله وأفعاله ، وغَرَّب في إدباره وإقباله ، وأستغرب في طِمِره وسرباله .

    يا هذا ! الغريب من نطق وصفُه بالمحنة بعد المحنة ، ودل عنوانه على الفتنة عقب الفتنة ، وبانت حقيقته فيه في الفينة حَدّ الفينة . الغريب من إن حضر كان غائباً ، وإن غاب كان حاضراً .الغريب من إن رايته لم تعرفه ، وإن لم تره لم تستعرفه ، أما سمعت القائل :

    بَمَ التعلُّل ؟!لا أهلٌ ولا زمن ولانديمٌ ، ولا كأسٌ ، ولا سكَنٌ

    هذا وصفُ رجل لحقته الغربة ، فتمنى أهلاً يأنس بهم ، ووطناً يأوى إليه ، ونديماً يَُحلُّ عُقَد سَّره معه ، وسكناً ينتشى منها ، وسكناً يتوادع عنده . فأما وصف الغريب الذي اكتنفته الأحزان من كل جانب ، واشتملت عليه الأجان من كل حاضر وغائب ، وتحكمت فيه الأيام من كل جانب وذاهب ، واستغرقته الحسرات على كل فائت وآئِب ، وشتّته الزمان والمكان بين كل ثقة ورائب ، وفي الجملة ، أتت عليه أحكام المصائب والنوائب ، وحطته بأيدي العواتب عن المراتب ، فوصفُ يخْفي دونه القلم ، ويفني من ورائه القرطاس ، ويشل عن بجسه اللفظ ، لأنه وصف الغريب الذي لا اسم له فيذكر ، ولا رسم له فيشهر ، ولا طي له فينشر ، ولاعذرله فيعذر ، ولاذنب له فيغفر ، ولاعيب عنده فيستر .

    هذا غريب لم يتزحزح عن مَسِقْط رأسه ، ولم يتزعزع عن مَهَبَّ أنفاسه .وأغرب الغُرَباء من صار غريباً في وطنه ، وأبعد البُعداء من كان بعيداً في محل قربه ، لأن غاية المجهود أن يسلو عن الموجود ، ويغمض عن المشهود ، ويقصى عن المعهود ، ليجد من يغنيه عن هذا كله بعطاء ممدود ، ورِفْدٍ مرفود ، وركن موطود ، وحد غير محدود .
    ياهذا ! الغريب من إذا ذكر الحقَّ هُجِر ، وإذا دعا الى الحق زُجِر . الغريب من إذا أَسْنَدَ كُذّب ، وإذا تطاهر عُذّب . الغريب من إذا امتار لم يْمرِ ، وإذا قَعَد لم ُيَزرْ .يا رحمتنا للغريب ! طال سفره من غير قدوم ، وطال بلاؤه من غير ذنب ، وأشتد ضَرَرُه من غير تقصير ، وعظم عناؤه من غير جدوى !
    الغريب من إذا قال لم يسمعوا قوله ، وإذا رأوه لم يدوروا حوله . الغريب إذا تنفس أحرقه الأسى والأسف ، وإن كتم أكمده الحزن واللّهَف . الغريب من إذا أقبل لم يُسَّمع له ، وإذا أعرض لم يسئل عنه . الغريب من إذا سأل لم يعط ، وإن سكت لم يُبْدَأ . الغريب إذا عطس لم يُشَمَّت ، وإن مرض لم يُفتقّد . الغريب من إذ زار أغْلق دونه الباب ، وإن استأذن لم يُرفع له الحجاب.

    الغريب مَن إذا نادى لم يُجبْ . اللهم إنّا قد أصبحنا غرباء بين خلقك ، فآنسنا في فِنائك ، اللهم وأمسينا مهجورين عندهم ، فِصلْنا بحبالك

    ثم يقول : أيها السائل عن الغريب ومحنته ! إلى ههنا بلغ وصفي في الورقات. فإن استزدتَّ زِدْتُ ، وإن اكتفيتَ اكتفيتُ ، والله أسألُ لك تسديداً في المبالغة ،ولي تأييداً في الجواب ، لنتلاقى على نعمته ، ناطقين بحكمته ، سابقين الى كلمته .

    يا هذا ! الغريب في الجملة من كله حرقة ، وبعضه فُرْقة ، وليلُه أَسَف ، ونهارهُ لهف ، وغَدَاؤه حَزَن ، وعشاؤه شَجَن ، وآراؤه ظنن ، وجميعه فِتن ، ومفَرِقه مَحِن ، وسُّرِه عَلَن ، وخوفه وطن .

    يا هذا ! أنت الغريب في معناك